السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
195
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
المُحِبِّينَ « 1 » . وَفِيهِ رِضَا الرَّبِّ ، وَهُوَ مِنْ أخْلَاقِ الأنْبِيَاءِ وَشِعَارِ الأصْفِيَاءِ . وفي حديث البزنطيّ عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : الرواية الواردة في الصمت
--> ( 1 ) - وردت هذه الرواية في « مصباح الشريعة » ص 20 ؛ ونقلها المجلسيّ في « بحار الأنوار » ج 15 ( قسم الأخلاق ) ، ص 186 ، بهذه الكيفيّة : قال الصادق عليهالسلام : الصَّمْتُ شِعَارُ المُحَقِّقِينَ بِحَقَايِقِ مَا سَبَقَ وَجَفَّ القَلَمُ بِهِ ، وَهُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ رَاحَةٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَفِيهِ رِضَا الرَّبِّ وَتَخْفِيفُ الحِسَابِ وَالصَّوْنُ مِنَ الخَطَايَا وَالزَّلَلِ . قَدْ جَعَلَهُ اللهُ سِتْراً عَلَى الجَاهِلِ ، وَزَيْناً لَلعَالِمِ ، وَمَعَهُ عَزْلُ الهوى ، وَرِيَاضَةُ النَّفْسِ ، وَحَلَاوَةُ العِبَادَةِ ، وَزَوَالُ قَسْوَةِ القَلْبِ ، وَالعِفَافُ ، وَالمُرُوَّةُ ، وَالظَّرْفُ . فَأغْلِقْ بَابَ لِسَانِكَ عَمَّا لَكَ مِنْهُ بُدٌّ ، لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ تَجِدْ أهْلًا لِلكَلَامِ ، وَالمُسَاعِدَ في المُذَاكَرَةِ لِلَّهِ وَفي اللهِ ، وَكَانَ رَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَضَعُ قِرْطَاساً بَيْنَ يَدَيْهَ فيَكْتُبُ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ ، ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ في عَشِيَّتِهِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ ، وَيَقُولُ : آه آه نَجَا الصَّامِتُونَ وَبَقِينَا . وَكَانَ بَعْضُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ حَصَاةً في فَمِهِ ، فَإذَا أرَادَ أنْ يَتَكَلَّم بِمَا عَلِمَ أنَّهُ لِلَّهِ وَفي اللهِ وَلِوَجْهِ اللهِ ، أخْرَجَهَا مِنْ فَمِهِ . وَإن كَثِيراً مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَتَنَفَّسُونَ تَنَفُّسَ الصُّعَدَاءِ وَيَتَكَلَّمُونَ شِبْهَ المَرْضَى . وَإنَّمَا سَبَبُ هَلَاكِ الخَلْقِ وَنَجَاتِهِمُ الكَلَامُ وَالصَّمْتُ . فَطُوبَى لِمَنْ رُزِقَ مَعْرِفَةَ عَيْبِ الكَلَامِ وَصَوَابِهِ ، وَعَلِمَ الصَّمْتَ وَفَوَائِدَهُ ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ أخْلَاقِ الأنْبِيَاءِ وَشِعَارِ الأصْفِيَاءِ . وَمَنْ عَلِمَ قَدْرَ الكَلَامِ أحْسَنَ صُحْبَةَ الصَّمتَ ، وَمَنْ أشْرَفَ عَلَى مَا في لَطَائِفِ الصَّمْتِ وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَزَائِنِهِ ، كَانَ كَلَامُهُ وَصَمْتُهُ كُلُّهُ عِبَادَةً ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادَتِهِ إلَّا المَلِكُ الجَبَّارُ .